أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
560
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
نصب وتبعه الفراء ، ومذهب الخليل أنها في محلّ جر ، وتبعه الكسائي . وهذا قد تقدّم غير مرة . وقال غيره كقوله ، إلّا أنّه قدّر حرف الجرّ « على » والتقدير : إلّا أن يخاف الولاة الزوجين على ألّا يقيما ، فبني للمفعول ، فقام ضمير الزوجين مقام الفاعل ، وحذف حرف الجر من « أن » ، فجاء فيه الخلاف المتقدم بين سيبويه والخليل . وهذا الذي قاله ابن عطية سبقه إليه أبو علي ، إلّا أنه لم ينظّره ب « استغفر » . وقد استشكل هذا القراءة قوم وطعن عليها آخرون ، لا علم لهم بذلك ، فقال النحاس : « لا أعلم في اختيار حمزة أبعد من هذا الحرف ، لأنه لا يوجبه الإعراب ولا اللفظ ولا المعنى : أمّا الإعراب فلأنّ ابن مسعود قرأ « إلّا أن تخافوا ألّا يقيموا » فهذا إذا ردّ في العربية لما لم يسمّ فاعله كان ينبغي أن يقال : « إلّا أن يخاف » . وأمّا اللفظ : فإن كان على لفظ « يخافا » وجب أن يقال : فإن خيف ، وإن كان على لفظ « خفتم » وجب أن يقال : إلّا أن تخافوا . وأمّا المعنى : فأستبعد أن يقال : « ولا يحلّ لكم أن تأخذوا ممّا آتيتموهنّ شيئا إلا أن يخاف غيركم ، ولم يقل تعالى : ولا جناح عليكم أن تأخذوا له منها فدية ، فيكون الخلع إلى السلطان والفرض أنّ الخلع لا يحتاج إلى السلطان » . وقد ردّ الناس على النحاس : أمّا ما ذكره من حيث الإعراب فلا يلزم حمزة ما قرأ به عبد اللّه . وأمّا من حيث اللفظ فإنه من باب الالتفات كما قدّمته أولا ، ويلزم النحاس أنه كان ينبغي على قراءة غير حمزة أن يقرأ : « فإن خافا » ، وإنّما هو في القراءتين من الالتفات المستحسن في العربية . وأمّا من حيث المعنى فلأنّ الولاة والحكام هم الأصل في رفع التظالم بين الناس وهم الآمرون بالأخذ والإيتاء . ووجّه الفراء قراءة حمزة بأنه اعتبر قراءة عبد اللّه « إلا أن تخافوا » . وخطّأه الفارسي وقال : « لم يصب ، لأنّ الخوف في قراءة عبد اللّه واقع على « أن » ، وفي قراءة حمزة واقع على الرجل والمرأة » . وهذا الذي خطّأ به القرّاء ليس بشيء ، لأنّ معنى قراءة عبد اللّه : إلّا أن تخافوهما ، أي الأولياء الزوجين ألّا يقيما ، فالخوف واقع على « أن » وكذلك هي في قراءة حمزة : الخوف واقع عليها أيضا بأحد الطريقين المتقدّمين : إما على كونها بدلا من ضمير الزوجين كما تقدّم تقريره ، وإمّا على حذف حرف الجرّ وهو « على » . والخوف هنا فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه على بابه من الحذر والخشية ، فتكون « أن » في قراءة غير حمزة في محلّ جرّ أو نصب على حسب الخلاف فيها بعد حذف حرف الجرّ ، إذ الأصل : من ألّا يقيما ، أو في محلّ نصب فقط على تعدية الفعل إليها بنفسه كأنه قيل : إلّا أن يحذرا عدم إقامة حدود اللّه . والثاني : أنه بمعنى العلم وهو قول أبي عبيدة ، وأنشد : 979 - فقلت لهم خافوا بألفي مدجّج * سراتهم في الفارسيّ المسرّد « 1 » ومنه أيضا :
--> ( 1 ) تقدم .